ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
101
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
فمن ذلك قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( النساء : 64 ) رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب : مات موتا ونزل نزولا ، ونظائره . ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع ، والتأكيد بقوله حقا ونظائره ومن ذلك قوله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( المجادلة : 1 ) فلا يشك صحيح الفهم البتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه يسمع . ومن ذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( الأعراف : 42 ) فرفع توهم السامع أن المكلف به عمل جميع الصالحات المقدورة والتجوز عنها يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره تزيل الأشكال . ونظيره وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ( الأنعام : 152 ) ومن ذلك قوله تعالى : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ( النساء : 84 ) . فلما أمره بالقتال وأخبره أنه لا يكلف بغيره ، بل إنما يكلف بنفسه أتبعه بقوله وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ويتركهم . ومن ذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( الطور : 21 ) فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام ، منها قوله : وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق أو غير ذلك ، ومنها قوله : وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ لرفع توهم أن الآباء تحط إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية . فأزال هذا الوهم بقوله : وَما